الشيخ السبحاني
29
الإنصاف في مسائل دام فيها الخلاف
بأدلّة المنكرين للتحسين والتقبيح العقليّين قالوا بأنّ القائلين بهما يوجبون على اللّه ما يوجبون على العبد ، ويحرِّمون عليه من جنس ما يحرِّمون على العبد ، ويسمّون ذلك العدل ، والحكمة مع قصور عقلهم عن معرفة حكمتهم . « 1 » على هامش الاستدلال إنّ المستدل خلط بين فرض التكليف على اللّه ، وكشف ما عنده من الحُكْم من خلال صفاته وكماله ، فالقائل بالملازمة لا يفرض التكليف على اللّه ، ويقول : أين التراب ورب الأرباب ، بل يستكشف ما عنده من الأحكام من خلال دراسة صفاته الكمالية ، فهو بما انّه عادل ، لا يجور ، وحكيم لا يعبث ، وعالم لا يجهل ، نستكشف بها الأحكام اللائقة به حسب صفاته فالتكاليف التي يستنبطها العقل من قبيل التكاليف التي فرضتها على اللّه حكمتُه وعدله وعلمه . فلو قلنا لا يجوز على اللّه سبحانه تعذيبُ البريء أو أخذُه بذنب المجرم ، لا نعني انّا نفرض هذا التكليف عليه ، وانّه يجب أن يقوم به ، وإنّما نريد أنّلازم صفاته الكمالية هو أن لا يفعل ذلك . وهذا نظير ما يقوم به العلماء من كشف أسرار الطبيعة وقوانينها ، فلو قال القائل : بأنّ زوايا المثلث تساوي قائمتين ، فهذا لا يعني إلّا أنّه في الواقع كذلك ، لا انّه يجب أن يكون كذلك لأجل حكمه به . فإذا كان النظام السائد على الكون نظاماً مبنياً على العلم والعدل والحكمة فلازم ذلك أن لا يؤخذ البريء بذنب المجرم ، فكشف هذا الحكم نظير كشف القوانين السائدة على الكون في العلوم الطبيعية والرياضية والفلكية .
--> ( 1 ) التبصير في الدين : 153 ؛ شرح المقاصد : 2 / 150 طبعة إسطنبول .